بين الأسئلة الكبرى والأجوبة المقتضبة... ماذا كشفت مقابلة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني

سبت, 25/07/2026 - 17:35

 

لم تكن المقابلة الإعلامية الأخيرة التي أجراها الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني مجرد لقاء صحفي اعتيادي، بل تحولت إلى اختبار سياسي لمدى قدرة السلطة التنفيذية على تقديم إجابات واضحة عن ملفات ظلت تشغل الرأي العام الموريتاني لسنوات. وقد عكست الأسئلة التي طرحها الصحفيون حجم التراكمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، بينما أثارت بعض الإجابات نقاشاً واسعاً حول مدى كفايتها في معالجة القضايا المطروحة.
 
أحد أبرز الملفات التي طُرحت كان ملف **صفقات التراضي** التي أبرمتها الحكومة خلال عام 2025. وقد ركز السؤال على المعايير التي اعتمدت في منح تلك الصفقات، وعلى ما يتردد بشأن استفادة شخصيات نافذة ومقربين من دوائر الحكم منها. وبالنظر إلى حساسية هذا الملف، كان الرأي العام ينتظر توضيحات دقيقة مدعومة بالأرقام والوثائق، بما يسمح بتبديد الشكوك أو تأكيد سلامة الإجراءات. إلا أن الرد، وفق قراءات عدد من المتابعين، لم يدخل في التفاصيل التي كانت محل التساؤل، وهو ما أبقى الملف مفتوحاً للنقاش.
 
أما الملف الثاني، فكان يتعلق بالأوضاع الأمنية في جمهورية مالي وانعكاساتها على الجالية الموريتانية المقيمة هناك. فقد شهدت الأشهر الماضية حوادث راح ضحيتها مواطنون موريتانيون، من بينهم تجار ورعاة، وسط بيئة أمنية معقدة تعيشها مالي نتيجة الصراع المسلح. وكان المنتظر من السلطة التنفيذية تقديم رؤية واضحة بشأن الإجراءات الدبلوماسية والأمنية المتخذة لحماية المواطنين، وآليات متابعة هذه الحوادث مع السلطات المالية، إلا أن الإجابات لم تبدد جميع التساؤلات التي يطرحها الرأي العام.
 
كما عاد ملف **الفساد الإداري والزبونية والمحسوبية** إلى الواجهة، عبر أسئلة تناولت مدى قدرة الدولة على مكافحة هذه الظواهر، خاصة في ظل تقارير وطنية ودولية تؤكد أن الحوكمة الرشيدة والشفافية تمثلان تحدياً مستمراً. ويظل نجاح أي سياسة لمكافحة الفساد مرتبطاً بإجراءات عملية يمكن قياس نتائجها، وليس فقط بالإعلانات العامة.

وفي معرض رده على أسئلة تتعلق بالفساد، قال الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني إنه لا يستطيع أن يوقف نزيف الفساد في البلد بشكل كامل، معتبراً أن هذه الظاهرة لا يمكن القضاء عليها بصورة مطلقة. وقد أثار هذا التصريح نقاشاً واسعاً، إذ رأى منتقدون أنه يمثل إقراراً بصعوبة احتواء الفساد، بينما اعتبر آخرون أنه يعكس اعترافاً بوجود تحدٍّ هيكلي يتطلب إصلاحات مؤسساتية عميقة تتجاوز الإجراءات التقليدية.
 
وفي ملف **الهجرة غير النظامية**، أثيرت تساؤلات حول التعاون بين موريتانيا والاتحاد الأوروبي، وما يقال عن تمويل يتجاوز 210 ملايين يورو لدعم جهود مكافحة الهجرة. وقد انصب جانب من النقاش على انعكاسات هذه السياسات داخل البلاد، وعلى التوازن بين الوفاء بالالتزامات الدولية وحماية الحقوق الأساسية للأفراد، في ظل الجدل الذي أثارته حملات التوقيف والمحاكمات.
 
ومن بين أكثر النقاط إثارة للنقاش أيضاً، الأحكام القضائية الصادرة بحق متهمين في قضايا مرتبطة بالهجرة غير النظامية. فقد أثيرت تساؤلات بشأن تفاوت المسؤوليات والأدلة مقارنة بطبيعة العقوبات، وهو ما يبرز أهمية ضمان أن تكون الأحكام القضائية مبنية على الأدلة الفردية لكل متهم، وأن يتحقق التناسب بين الفعل المرتكب والعقوبة، مع احترام استقلال القضاء وحق التقاضي.
 
في المجمل، أظهرت المقابلة أن الملفات الكبرى التي تواجه موريتانيا لم تعد تقتصر على الجوانب الاقتصادية أو الأمنية، بل أصبحت ترتبط أيضاً بمستوى الشفافية، وإدارة المال العام، وحماية المواطنين داخل البلاد وخارجها، وتعزيز الثقة في المؤسسات. وكلما كانت الإجابات الرسمية أكثر تفصيلاً وارتكازاً على الوقائع والبيانات، ازدادت قدرة الدولة على تعزيز ثقة الرأي العام واحتواء الجدل الذي يرافق هذه الملفات.
 
ويبقى الدور الأساسي للصحافة المهنية هو الاستمرار في طرح الأسئلة الجوهرية، وتتبع الوقائع، والتحقق من المعلومات، بما يضمن حق المواطنين في الوصول إلى معلومات دقيقة حول القضايا التي تمس حياتهم ومستقبلهم.

فريق تحرير منصة المعاينة الإخبارية 
#تابعونا